المقريزي
123
إمتاع الأسماع
قالوا : والله لا نسلمك لشئ أبدا ، فامض لما تريد ، فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا كما وصف ، وجلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره ، وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدو ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وقبلته إلى الشام ، فكان إذا صلى صلى بين الركنين اليماني والأسود ، وجعل الكعبة بينه وبين الشام ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قعدت قريش في أنديتها ينتظرون ما أبو جهل فاعل ، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه ، حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه ، مرعوبا ، قد يبست يداه على الحجر ، فقذف الحجر من يده . وقامت إليه رجال قريش فقالوا : مالك يا أبا الحكم ؟ ؟ قال : قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة ، فلما دنوت منه عرض دونه فحل من الإبل ؟ لا والله ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ( 1 ) ولا أنيابه لفحل قط ، فهم بأن يأكلني ، فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ذاك جبريل ، لو دنا منه لأخذه . فلما قال لهم أبو جهل ذلك ، قام النضر بن الحرث فقال : يا معشر قريش ؟ إنه والله لقد نزل بكم أمر ما ابتليتم بمثله قط ( 2 ) . ولأبي نعيم من حديث إبراهيم بن المنذر الحزامي قال : حدثنا بن عمران قال : حدثني عبد الله وعبد الرحمن ابنا زيد أسلم عن أبيها ، عن عطاء بن يسار عن ابن عباس ، أن أربد بن قيس بن جزع بن جعفر بن خالد بن كلاب ، وعامر بن الطفيل بن مالك قدما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانتهيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس فجلسا بين يديه فقال عامر بن الطفيل : يا محمد ؟ ما تجعل لي إن أسلمت ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم ، قال عامر : أتجعل لي الأمر إن أسلمت من بعد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس ذلك لك ولا لقومك ولكن لك أعنة الخيل ، قال : أنا الآن في أعنة خيل نجد ، اجعل لي الوبر ولك المدر ( 3 ) ، قال [ رسول الله صلى الله عليه وسلم ] ( 4 ) : لا ، فلما قفا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال [ عامر ] ( 4 ) : أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا ، فقال
--> ( 1 ) قصرته : أصل عنقه . ( 2 ) أخرجه أبو نعيم في ( الدلائل ) : 1 / 205 - 206 ، حديث رقم ( 156 ) ، وابن إسحاق في ( السيرة ) : 1 / 294 ، والسيوطي في ( الخصائص الكبرى ) : 1 / 310 ، ورجاله كلهم ثقات إلا أنه منقطع ، ( هامش 205 من دلائل أبي نعيم ) . ( 3 ) الوبر كناية عن أمر البادية ، والمدر : كناية عن الحاضرة . ( 4 ) زيادة للسياق .